عابر سبيل
05-15-2007, 01:04 AM
][®][^][®][ نعيم الجنة ][®][^][®][
للشيخ صالح المغامسي
الحمد لله الذي تقدست عن الأشباه ذاته .. ودلت على وجوده آياته ومخلوقاته .. وأشهد أن لا آله إلا الله وحده لا شريك له ... في السماء عرشه و في كل مكان رحمته وسلطانه وسع الخلائق خيره و لم يسع الناس غيره ... و أشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله سهد الذئب بنبوته و شهد القمر برسالته وتفرق السحاب إكرام لإشارته بعثه الله جل وعلا على حين فترة من الرسل ودروس من الكتب فأدى الأمانة وبلغ الرسالة وجاهد في الله حق جهاده حتى آتاه اليقين فصل الله وسلم وبارك وأنعم عليه كما وحد الله وعرف به ودعي إليه .. اللهم وعلى آله و أصحابه وعلى سائر من أقتفى أثره ومن أتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين ..
أم بعد ... أيها المؤمنون :
فإنه ما من معصية أبلغ ولا من أمر أعظم من قول الله (( يأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد )) .. ثم أعلموا عباد الله أن نبيكم صلى الله عليه وسلم مر على رجل من أصحابة ومع نبيكم معاذ بن جبل رضي الله عنه فأخذوا يتذكرون الدعاء فكان من جملة ما قاله ذلك الصحابي لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه : { أما و إني لا أحسن دندنك ولا دندنت معاذ ولكنني أسأل الله الجنة واستعيذ به من النار } .. فقال صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق : { حولها ندندٍ } أي ما تسأله الله جل وعلا هو ما نسأله أنا ومعاذ إياه ..
أيها المؤمنون .. قد يظن البعض أن الحديث عن الجنة أمر تقليداً مكرراً تكاد تسأمه بعض النفوس ولا ريب أن هذا خلاف الفطرة وخلاف هدي محمد صلى الله عليه وسلم و أصحابة ... وهل أرق الصالحين وأقض مضاجع المتقين إلا أنهم يخافون أن يمنعوا من دخول الجنة .. وهل عاش الأنبياء والمرسلين وأتباعهم من الأخيار عبر الدهور و العصور إلا وهم يسألون الله جل وعلا أن يدخلهم الجنة وهل خير صلى الله عليه وسلم عند موته حتى يتسنى له البقاء و الخلد بأعظم من ان يقال له الخلد في الدنيا ثم الجنة فختار صلى الله عليه وسلم لقاء ربه ثم الجنة ... وهل وعد الله جل وعلا عباده الأبرار وأتباعه الأخيار ممن آمن به من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة بعطاء هو أعظم أو أجل من الجنة (( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون )) وهل عاقب الله جل وعلا أحد ممن عصاه بأعظم من حرمانه من دخول الجنة أعاذنا الله و إياكم من الخذلان والحرمان ..
أيها المؤمنون : الجنة خلقها الله جل وعلا في ظاهر أقوال العلماء وظاهر القرآن خلقها جل وعلا بيده وهي الدار التي أعدها الله تبارك وتعالى لأوليائه وأهل طاعته وقد أختلف العلماء في الجنة التي أدخلها الله جل وعلا أبانا آدم يوم خلقه قال الله جل وعلا في سورة البقرة (( وقلنا يا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة )) فقال الكثير منهم إنها جنة المأوى .. جنة الخلد التي وعدها الله جل وعلا عبادة المتقين بعد بعثهم وقال آخرون من أهل العلم من أهل السنة وغيرهم قالوا : إنها ليست جنة الخلد وليست جنة المأوى التي وعدها الله عبادة بعد البعث ولكنها جنة إما في السماء و إما في الأرض ..واستبدلوا على ذلك بأمور منها أن الله أخرج آدم منها وقالوا : الأصل أن الجنة دار خلد فكيف أُخرج آدم منها وقالوا من ضمن أدلتهم أن الله جل وعلا كلف فيها آدم وابتلاه بأن لا يأكل من الشجرة و الجنة الأصل أنه لا تكليف ولا ابتلى فيها وقالوا إن الشيطان دخل إليها فوسوس إلى آدم والأصل أن الشيطان لا يدخل الجنة إلى جملة من الأدلة و البراهين عندهم ... والظاهر والله أعلم أن كل ذلك جرى بقدر الله ولا نجزم به والأظهر الذي دل عليه القرآن أنها جنة الخلد لأن الله قال (( وقلنا يا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة )) والألف والأم فيها للعهد وليس في عهد من يقرأ القرآن وذهنه إلا أنها جنة الخلد إذ لم يذكر القرآن جنة غيرها في كلام الله جل وعلا .. كما أن من جملة الأدلة أن النبي صلى الله عليه وسلم كما عند مسلم في الصحيح أخبر أن أهل الموقف من أهل الجنة يوم القيامة من المؤمنين يأتون أباهم آدم فيقولون : يأبانا أستفتح لنا الجنة فيقول آدم عليه السلام : وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم ... مظاهر قوله عليه السلام وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم أنها جنة المأوى التي وعدها الله جل وعلا عبادة وأين كان الأمر فإن المسلمين متفقون على أن الجنة التي وعدها الله عباده المؤمنين هي جنة المأوى وجنة الخلد في السماء السابعة وأنها مخلوقة موجودة الآن قدر الله لها أنها لا تبيد ولا تفنى ... أيها المؤمنون :
هذه الجنة أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها قيعان وأن أعظم غرسها سبحان الله , الحمد لله , لا آله إلا الله , الله أكبر , فقد صح عنه صلوات الله وسلامه عليه أنه قال : لما عرج بي لقيت خليل الله إبراهيم فأوصاني قائلاً : يا محمد { أقرأ مني أمتك السلام وأخبرهم أن الجنة قيعان وأن غرسها سبحان الله و الحمد لله و لا آله إلا الله والله أكبر } هذه الجنة أيها المؤمنون عظم شوقها إلى عباد الله الصالحون قال صلى الله عليه وسلم كما في الخبر الصحيح قال : { إن الجنة لتشتاق إلى ثلاثة إلى علي و عمار و سلمان } رضوان الله تعالى عليهم .. ولا يعني ذلك ان الجنة لا تشتاق لغيرهم فإن الحديث في سياق الخبر وليس في سياق الحصر فلا ريب أن الجنة تشتاق لأبي بكر وعمر وغيرهما من عباد الله المؤمنين ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر فقط عن ثلاثة ليبين مال هؤلاء الثلاثة من عظيم القدر و جليل المكانة عند ربنا تبارك وتعالى هذه الجنة يمنع عنها أقوام بالكلية فلا يدخلونها أبداً رغم ما فيها من الفضل و ما جعل الله فيها من الرحمة و ما فيها من نعيم الله الذي لا ينفذ وقرة العين التي لا تنقطع وهؤلاء والعياذ بالله هم أهل الكفر والإشراك قال الله جل وعلا (( إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة )) فمن أشرك بالله أو كفر به جل وعلا فإن الجنة عليه حرام ... حراماً تحريماً مؤبداً فإن الله جل و علا أخبر أنه ما بعث الرسل ولا أنزل الكتب ولا خلق الجن والأنس ولا أقيم سوق العرض ولا خلقت السماوات و الأرض إلا ليوحد سبحانه ويعبد دون سواه فمن خالف هذا الأمر الرباني والإلهي الذي أجراه الله على الأمم كلها كان حرام عليه بقدر الله أن يدخل الجنة قال الله جل وعلا عن أهل معصيته بعد أن بين سبب عذابهم والنكال بهم وحرمانهم من نعمة الله قال (( إنهم كانوا إذا قيل لهم لا آله إلا الله يستكبرون )) فمن ذلت عينه وقلبه وخشعت نفسه أمام هذه الكلمة وفق لكل خير ومن منعها ولم يجد لها مكاناًً أو مساقاً في قلبه فالجنة عليه حرام ...
بكلام رب العالمين جل جلاله .. جعلنا الله وإياكم ممن يؤمن به ويعبده وحده دون سواه ... هؤلاء من حرم الله عليهم الجنة تحريماً مؤبداً ومن الناس من ذل لهذه الكلمة لكنه عصى النبي صلى الله عليه وسلم .. عصى الشرع في أمور كثيرة فهؤلاء لا يمكن لهم أن يدخلوا الجنة ابتداءاً ولو ماتوا على التوحيد قال صلى الله عليه وسلم : { لا يدخل الجنة عاق لوالديه } الجنة من أعظم المنازل ولا يدخلها إلا ذو قلب سليم وكيف تجتمع السلامة قلب مع عقوق لوالدة حملتك تسعة أشهر أو عقوق لوالد رباك ورعاك .. عقوق الوالدين من أعظم ما يمنع رحمة الله جل وعلا ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : { لا يدخل الجنة عاق لوالديه } ...
الخمر أم الخبائث حرمها الله في كتابه وحرمها رسوله صلى الله عليه وسلم هي مظنة كل شر وسبب كل بلاء وقد قال صلى الله عليه وسلم : { لا يدخل الجنة مدمن خمر } ول مات على لا إله إلا الله إلا أن يكون قد تاب قبل وفاته فإن الخمر والعياذ بالله حرمها الله وحرمها رسوله صلى الله عليه وسلم ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بسببها عشراً من الناس ولم يرد في الشرع كله أن النبي *** شيء معين عشراً من العباد إلا ما ورد في *** الخمر وشاربها و بقية العشرة أعاذنا الله وإياكم من ذلك كله .. قد يكون الإنسان جار ولكن ذلك الجار والعياذ بالله فيه الخلل و الزلل ما يجعلك لا تأمن أنت ولا زوجتك ولا أبنائك ولا بناتك ذلك الجار ... تخاف على أبنائك وبناتك إذا سافرت يؤذيك في كل شيء .. من موقف سيارتك إلى عرضك وأهل بيتك هذا الجار حرم الله على لسان رسوله أن يدخل الجنة قال صلى الله عليه وسلم : { لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه } أعاذنا الله وإياكم من سوء الجار.. كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يدخل الجنة أبتداءاً قاطع الرحم والإنسان والعياذ بالله إذا غلبت عليه الأنانية وحب الذات وحرم منه أقرباؤه حرم منه أعمامه وأخواله وعماته و خالاته الفقير البائس والمسكين وذو الحاجة منه حرموا من عطاءه إما بحجج واهية كاشتغال بطلب العلم أو بحضور محاضرات أو تجارة أو بأمثال ذلك من الحجج الواهية .. قال صلى الله عليه وسلم كما الخبر الصحيح : { لا يدخل الجنة قاطع } أي لا يدخل الجنة قاطع رحم لأن الرحم أشتق الله لها جل وعلا أسم من أسمه وقال أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك ... فهؤلاء وأمثالهم ممن نص الشرع عليهم حرم الله عليهم دخول الجنة أبتداءاً كما حرم الله دخول الجنة أبتداءاً على من في قلوبهم كبر ومن عرف الله جل وعلا جليل منزلته وما له جل وعلا من رداء الكبرياء والعظمة امتنع أن يتكبر وتواضع للرب تبارك وتعالى وعرف للعباد حقوقهم التي أوجب جل وعلا عليهم قال صلى الله عليه وسلم : { لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر } ... وعلى النقيض من ذلك ثمة أقوال وأعمال صالحة تكون سبباً في دخول الجنة من أعظمها وأولها ما روى بعض الأئمة بسند حسن أن نبينا صلى الله عليه وسلم يكون أول من يقرع باب الجنة وأول من يدخلها فإذا أمرأة تزاحمه صلوات الله وسلامة عليه على دخول الجنة فيقول لها صلى الله عليه وسلم : ومن أنت ؟ { أي مالذي جعلك بهذه المكانة } فتقول له : يارسول الله أنا أمرأة كنت قائمة على أيتام لي .. فهذا لبؤسها و ضعفها وعجزها وتركها لشهوة نفسها رغبة في القيام بشؤون أبناءها من اليتامى جعلها الله جل وعلا تزاحم سيد الخلق صلى الله عليه وسلم بدخول الجنة ...
الوضوء إسباغه و الصلاة بعد من أعظم أسباب دخول الجنة فإن نبينا صلى الله عليه وسلم أراه الله الجنة مراراً يدخلها صلوات الله وسلامة عليه [ وكلما دخل الجنة سمع صوت نعلي بلال بن رباح رضي الله عنه وأرضاه وقال صلى الله عليه وسلم لبلال: { أخبرنا بأرجى عمل عملته في الإسلام فإنني ما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشفت نعليك بين يدي } فقال : يا نبي الله أما وقد سألت فإني كنت لا أنقض وضوء فأسبغ فيه وضوء إلا صليت الليل جل وعلا في أي ساعة من ليل أو نهار ما كتب الله لي أن أصلي رضي الله عن بلال وألحقنا به في الصالحين .. كما أن الوضوء نفسه من غير صلاة قال صلى الله عليه وسلم : { من أسبغ الوضوء ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد عبده ورسوله اللهم أجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء } كما أن من أعظم أسباب دخول الجنة وعلو المنازل فيها كفالة اليتيم قال صلى الله عليه وسلم : { من كفل يتيم كنت أنا وهو في الجنة كهاتين وجمع وفرق صلى الله عليه وسلم بين أصبعيه السبابة والوسطى .. كل هذا عباد الله بعض مما دل الشرع عليه من أسباب دخول الجنة .. ومما ينبغي أن يعلمه كل عبد أن المؤمن إذا كتب الله جل وعلا له الجنة نسي كل بؤس كان عليه في الدنيا ظمأ الهواجر ... قيام الليل ... إنفاق المال ... عونك لأخيك ... كثرك لتسبيح ... صبرك على البلاء ... كل ذلك ينسى إذا أدخل الجنة .. أدخلنا الله جل وعلا وإياكم الجنة ... أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (( ثم أورتنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم نفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخير بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤ ولباسهم فيها حرير وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب )) جعلنا الله وإياكم ممن يقول هذا يوم القيامة عند دخول الجنة بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فتستغفروه إنه هو الغفور الرحيم ...
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى أما بعد ... عباد الله "
فإن القرآن لما حث أتباعه على المسارعة في الخيرات والمسابقة في الطاعات طمع في دخول جنات الرحمن ... ما أراد الله بذلك وما أراد رسوله صلى الله عليه وسلم أن يسابق الإنسان إلى الموت وأن يسرع إلى التخلص من حياته فإن الأجل أمر لا يكلف العبد به هذا أمر قدري خارج عن التكليف والله يقول (( فإذا جاء أجلهم لا يستئخرون ساعة ولا يستقدمون )) ولم يرد في الشرع إلى أن يتمنى الموت إلا في حالات يذكر فيها دعاءاً مخصوص أما الأصل في المؤمن أنه يسارع في الخيرات ويسابق في الطاعات ويعمل العمل الصالح هذا الذي كلفنا الله به أخرج الأمام أحمد في المسند من حديث أبي أمامه رضي الله عنه وأرضاه قال :{ وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرققنا [ أي أثر فينا حديثه ] فبكى سعد رضي الله عنه وأرضاه فأكثر من البكاء ثم قال سعد [ أي سعد با أبي وقاص ] قال : ياليتني مت... فقال صلى الله عليه وسلم : يا سعد لا تقل هذا فإنك أن كنت قد خلقت للجنة فمهما طال من عمرك وحسن من عملك فهو خير لك } .. وهذا توصية نبوي كريم منه صلوات الله وسلامه عليه المؤمن مطالب أن يسارع في الخير ويعمل الصالح وليس مطالب بأن ينهي نفسه ويقتلها يظن أن وراء ذلك الجنة .. قال صلى الله عليه وسلم : { بادروا بالأعمال سبعاً فهل تنتظرون إلا فقراً منسياً أو غناً مطفياً أو مرضاً مفسداً أو هدماً مفنداً أو موتاً مجهزاً أو الدجال فشرها ابن نتظرأو الساعة فالساعة أهدى وأمر } فقوله صلى الله عليه وسلم بادروا بالأعمال أي سارعوا في الأعمال الصالحة قبل أن يمنعكم عنها مانع ثم ذكر عليه الصلاة والسلام جملة من الموانع فالفقر ينسي لأن الإنسان إذا كان فقيراً أنشغل بقوته ورزقه ودفع دينه .. ومنعه ذلك بأن يعبد الله على الوجه الأكمل والنحو الأتم بالغالب وإذا كان غنياً طفي عليه غناه فنشغل بوقاراته وتجارته وأسهمه وأرباحه وشغله ذلك عن طاعة الرب تبارك وتعالى على الوجه الأكمل والنحو الأتم وإن كان مريضاً عجز عن الحج والعمرة والصيام وأمثال ذلك من الطاعات لمرضه وإن كان هرماً دخل .. في الخزف فلا يدري الليل من النهار .. فكيف سيصلي ويصوم ... إن كان الموت فهو مجهز قاضي عليه وبه تطوى صحائف الأعمال إلا ماستثناه الشارع منه والدجال لا فتنة أعظم منه والساعة نهاية الأمر وقيام الحساب وكل ذلك لا يحمل فيه فهذا جزء من التوصية النبوي الكريم بالمسارعة للخيرات وقد نقل الأخيار عن معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه أنه لما حضرته الوفاة بكى فقيل ما يبكيك يا صاحب رسول الله قال : أبكي على ظمأ الهواجر [ أي لا أستطيع أن أصوم بعد اليوم ] أبكي على قيام الليل الشتاء لأنني بعد موتي لا أستطيع أن أقوم بعد اليوم أبكى على مزاحمة العلماء بالركب لأن
حضور مجالس العلماء وحضور مجالس تدارس القرآن كل ذلك مما تغشى به السكينة وتنزل الملائكة ويعظم به الأجر فلم يتأسف معاذ رضي الله عنه على دينار ولا على درهم ولا على زوجة ولا على ولد ولكن تأسف على ما سيفوته من عمل صالح رغم أنه رضي الله عنه وأرضاه من أعظم الصحابة قدراً وأجلهم مكانة وأكثرهم علماً رضي الله عنه وعن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أجمعين ...
ألا وأعلموا عباد الله أنكم في يوم الجمعة سيد الأيام فصلوا فيه وسلموا على سيد الأنام (( إن الله وملائكته يصلون على النبي يأيها الذين أمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً )) اللهم صلي على محمد ماذكر الذاكرون الأبرار وصلى على محمد ما تعاقب الليل والنهار وأرض اللهم عن أصحاب محمد من المهاجرين والأنصار .. اللهم ورحمنا معهم بمنك وكرمك وعفوك يا عزيز يا غفار اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل ونعوذ بك ربنا من النار وما قرب إليها من قول
وعمل اللهم كما جمعتنا على هذا الفرش
أجمعنا برحتك في ظلال العرش
ياذا الجلال والإكرام ... اللهم وفق إمامنا بتوفيقك وأيده بتأييدك اللهم وفقه لهداك وجعل عمله في رضاك ... اللهم ودرأ عن أمة الإسلام غوائل الفتن وطوارق المحن وقها اللهم شر الكفار وكيد الفجار .. ياذا الجلال والإكرام
اللهم احفظ المؤمنين في فلسطين والعراق وفي سائر البلدان يارب العالمين .. اللهم انصر دينك و كتابك و أولياءك وعبادك الصالحين وأبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك و يهدى فيه أهل معصيتك ... ويأمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر ... ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار... عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان و إيتاء ذي القربى وينهي عن الفحشاء و المنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون فذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون ...
للشيخ صالح المغامسي
الحمد لله الذي تقدست عن الأشباه ذاته .. ودلت على وجوده آياته ومخلوقاته .. وأشهد أن لا آله إلا الله وحده لا شريك له ... في السماء عرشه و في كل مكان رحمته وسلطانه وسع الخلائق خيره و لم يسع الناس غيره ... و أشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله سهد الذئب بنبوته و شهد القمر برسالته وتفرق السحاب إكرام لإشارته بعثه الله جل وعلا على حين فترة من الرسل ودروس من الكتب فأدى الأمانة وبلغ الرسالة وجاهد في الله حق جهاده حتى آتاه اليقين فصل الله وسلم وبارك وأنعم عليه كما وحد الله وعرف به ودعي إليه .. اللهم وعلى آله و أصحابه وعلى سائر من أقتفى أثره ومن أتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين ..
أم بعد ... أيها المؤمنون :
فإنه ما من معصية أبلغ ولا من أمر أعظم من قول الله (( يأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد )) .. ثم أعلموا عباد الله أن نبيكم صلى الله عليه وسلم مر على رجل من أصحابة ومع نبيكم معاذ بن جبل رضي الله عنه فأخذوا يتذكرون الدعاء فكان من جملة ما قاله ذلك الصحابي لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه : { أما و إني لا أحسن دندنك ولا دندنت معاذ ولكنني أسأل الله الجنة واستعيذ به من النار } .. فقال صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق : { حولها ندندٍ } أي ما تسأله الله جل وعلا هو ما نسأله أنا ومعاذ إياه ..
أيها المؤمنون .. قد يظن البعض أن الحديث عن الجنة أمر تقليداً مكرراً تكاد تسأمه بعض النفوس ولا ريب أن هذا خلاف الفطرة وخلاف هدي محمد صلى الله عليه وسلم و أصحابة ... وهل أرق الصالحين وأقض مضاجع المتقين إلا أنهم يخافون أن يمنعوا من دخول الجنة .. وهل عاش الأنبياء والمرسلين وأتباعهم من الأخيار عبر الدهور و العصور إلا وهم يسألون الله جل وعلا أن يدخلهم الجنة وهل خير صلى الله عليه وسلم عند موته حتى يتسنى له البقاء و الخلد بأعظم من ان يقال له الخلد في الدنيا ثم الجنة فختار صلى الله عليه وسلم لقاء ربه ثم الجنة ... وهل وعد الله جل وعلا عباده الأبرار وأتباعه الأخيار ممن آمن به من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة بعطاء هو أعظم أو أجل من الجنة (( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون )) وهل عاقب الله جل وعلا أحد ممن عصاه بأعظم من حرمانه من دخول الجنة أعاذنا الله و إياكم من الخذلان والحرمان ..
أيها المؤمنون : الجنة خلقها الله جل وعلا في ظاهر أقوال العلماء وظاهر القرآن خلقها جل وعلا بيده وهي الدار التي أعدها الله تبارك وتعالى لأوليائه وأهل طاعته وقد أختلف العلماء في الجنة التي أدخلها الله جل وعلا أبانا آدم يوم خلقه قال الله جل وعلا في سورة البقرة (( وقلنا يا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة )) فقال الكثير منهم إنها جنة المأوى .. جنة الخلد التي وعدها الله جل وعلا عبادة المتقين بعد بعثهم وقال آخرون من أهل العلم من أهل السنة وغيرهم قالوا : إنها ليست جنة الخلد وليست جنة المأوى التي وعدها الله عبادة بعد البعث ولكنها جنة إما في السماء و إما في الأرض ..واستبدلوا على ذلك بأمور منها أن الله أخرج آدم منها وقالوا : الأصل أن الجنة دار خلد فكيف أُخرج آدم منها وقالوا من ضمن أدلتهم أن الله جل وعلا كلف فيها آدم وابتلاه بأن لا يأكل من الشجرة و الجنة الأصل أنه لا تكليف ولا ابتلى فيها وقالوا إن الشيطان دخل إليها فوسوس إلى آدم والأصل أن الشيطان لا يدخل الجنة إلى جملة من الأدلة و البراهين عندهم ... والظاهر والله أعلم أن كل ذلك جرى بقدر الله ولا نجزم به والأظهر الذي دل عليه القرآن أنها جنة الخلد لأن الله قال (( وقلنا يا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة )) والألف والأم فيها للعهد وليس في عهد من يقرأ القرآن وذهنه إلا أنها جنة الخلد إذ لم يذكر القرآن جنة غيرها في كلام الله جل وعلا .. كما أن من جملة الأدلة أن النبي صلى الله عليه وسلم كما عند مسلم في الصحيح أخبر أن أهل الموقف من أهل الجنة يوم القيامة من المؤمنين يأتون أباهم آدم فيقولون : يأبانا أستفتح لنا الجنة فيقول آدم عليه السلام : وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم ... مظاهر قوله عليه السلام وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم أنها جنة المأوى التي وعدها الله جل وعلا عبادة وأين كان الأمر فإن المسلمين متفقون على أن الجنة التي وعدها الله عباده المؤمنين هي جنة المأوى وجنة الخلد في السماء السابعة وأنها مخلوقة موجودة الآن قدر الله لها أنها لا تبيد ولا تفنى ... أيها المؤمنون :
هذه الجنة أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها قيعان وأن أعظم غرسها سبحان الله , الحمد لله , لا آله إلا الله , الله أكبر , فقد صح عنه صلوات الله وسلامه عليه أنه قال : لما عرج بي لقيت خليل الله إبراهيم فأوصاني قائلاً : يا محمد { أقرأ مني أمتك السلام وأخبرهم أن الجنة قيعان وأن غرسها سبحان الله و الحمد لله و لا آله إلا الله والله أكبر } هذه الجنة أيها المؤمنون عظم شوقها إلى عباد الله الصالحون قال صلى الله عليه وسلم كما في الخبر الصحيح قال : { إن الجنة لتشتاق إلى ثلاثة إلى علي و عمار و سلمان } رضوان الله تعالى عليهم .. ولا يعني ذلك ان الجنة لا تشتاق لغيرهم فإن الحديث في سياق الخبر وليس في سياق الحصر فلا ريب أن الجنة تشتاق لأبي بكر وعمر وغيرهما من عباد الله المؤمنين ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر فقط عن ثلاثة ليبين مال هؤلاء الثلاثة من عظيم القدر و جليل المكانة عند ربنا تبارك وتعالى هذه الجنة يمنع عنها أقوام بالكلية فلا يدخلونها أبداً رغم ما فيها من الفضل و ما جعل الله فيها من الرحمة و ما فيها من نعيم الله الذي لا ينفذ وقرة العين التي لا تنقطع وهؤلاء والعياذ بالله هم أهل الكفر والإشراك قال الله جل وعلا (( إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة )) فمن أشرك بالله أو كفر به جل وعلا فإن الجنة عليه حرام ... حراماً تحريماً مؤبداً فإن الله جل و علا أخبر أنه ما بعث الرسل ولا أنزل الكتب ولا خلق الجن والأنس ولا أقيم سوق العرض ولا خلقت السماوات و الأرض إلا ليوحد سبحانه ويعبد دون سواه فمن خالف هذا الأمر الرباني والإلهي الذي أجراه الله على الأمم كلها كان حرام عليه بقدر الله أن يدخل الجنة قال الله جل وعلا عن أهل معصيته بعد أن بين سبب عذابهم والنكال بهم وحرمانهم من نعمة الله قال (( إنهم كانوا إذا قيل لهم لا آله إلا الله يستكبرون )) فمن ذلت عينه وقلبه وخشعت نفسه أمام هذه الكلمة وفق لكل خير ومن منعها ولم يجد لها مكاناًً أو مساقاً في قلبه فالجنة عليه حرام ...
بكلام رب العالمين جل جلاله .. جعلنا الله وإياكم ممن يؤمن به ويعبده وحده دون سواه ... هؤلاء من حرم الله عليهم الجنة تحريماً مؤبداً ومن الناس من ذل لهذه الكلمة لكنه عصى النبي صلى الله عليه وسلم .. عصى الشرع في أمور كثيرة فهؤلاء لا يمكن لهم أن يدخلوا الجنة ابتداءاً ولو ماتوا على التوحيد قال صلى الله عليه وسلم : { لا يدخل الجنة عاق لوالديه } الجنة من أعظم المنازل ولا يدخلها إلا ذو قلب سليم وكيف تجتمع السلامة قلب مع عقوق لوالدة حملتك تسعة أشهر أو عقوق لوالد رباك ورعاك .. عقوق الوالدين من أعظم ما يمنع رحمة الله جل وعلا ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : { لا يدخل الجنة عاق لوالديه } ...
الخمر أم الخبائث حرمها الله في كتابه وحرمها رسوله صلى الله عليه وسلم هي مظنة كل شر وسبب كل بلاء وقد قال صلى الله عليه وسلم : { لا يدخل الجنة مدمن خمر } ول مات على لا إله إلا الله إلا أن يكون قد تاب قبل وفاته فإن الخمر والعياذ بالله حرمها الله وحرمها رسوله صلى الله عليه وسلم ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بسببها عشراً من الناس ولم يرد في الشرع كله أن النبي *** شيء معين عشراً من العباد إلا ما ورد في *** الخمر وشاربها و بقية العشرة أعاذنا الله وإياكم من ذلك كله .. قد يكون الإنسان جار ولكن ذلك الجار والعياذ بالله فيه الخلل و الزلل ما يجعلك لا تأمن أنت ولا زوجتك ولا أبنائك ولا بناتك ذلك الجار ... تخاف على أبنائك وبناتك إذا سافرت يؤذيك في كل شيء .. من موقف سيارتك إلى عرضك وأهل بيتك هذا الجار حرم الله على لسان رسوله أن يدخل الجنة قال صلى الله عليه وسلم : { لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه } أعاذنا الله وإياكم من سوء الجار.. كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يدخل الجنة أبتداءاً قاطع الرحم والإنسان والعياذ بالله إذا غلبت عليه الأنانية وحب الذات وحرم منه أقرباؤه حرم منه أعمامه وأخواله وعماته و خالاته الفقير البائس والمسكين وذو الحاجة منه حرموا من عطاءه إما بحجج واهية كاشتغال بطلب العلم أو بحضور محاضرات أو تجارة أو بأمثال ذلك من الحجج الواهية .. قال صلى الله عليه وسلم كما الخبر الصحيح : { لا يدخل الجنة قاطع } أي لا يدخل الجنة قاطع رحم لأن الرحم أشتق الله لها جل وعلا أسم من أسمه وقال أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك ... فهؤلاء وأمثالهم ممن نص الشرع عليهم حرم الله عليهم دخول الجنة أبتداءاً كما حرم الله دخول الجنة أبتداءاً على من في قلوبهم كبر ومن عرف الله جل وعلا جليل منزلته وما له جل وعلا من رداء الكبرياء والعظمة امتنع أن يتكبر وتواضع للرب تبارك وتعالى وعرف للعباد حقوقهم التي أوجب جل وعلا عليهم قال صلى الله عليه وسلم : { لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر } ... وعلى النقيض من ذلك ثمة أقوال وأعمال صالحة تكون سبباً في دخول الجنة من أعظمها وأولها ما روى بعض الأئمة بسند حسن أن نبينا صلى الله عليه وسلم يكون أول من يقرع باب الجنة وأول من يدخلها فإذا أمرأة تزاحمه صلوات الله وسلامة عليه على دخول الجنة فيقول لها صلى الله عليه وسلم : ومن أنت ؟ { أي مالذي جعلك بهذه المكانة } فتقول له : يارسول الله أنا أمرأة كنت قائمة على أيتام لي .. فهذا لبؤسها و ضعفها وعجزها وتركها لشهوة نفسها رغبة في القيام بشؤون أبناءها من اليتامى جعلها الله جل وعلا تزاحم سيد الخلق صلى الله عليه وسلم بدخول الجنة ...
الوضوء إسباغه و الصلاة بعد من أعظم أسباب دخول الجنة فإن نبينا صلى الله عليه وسلم أراه الله الجنة مراراً يدخلها صلوات الله وسلامة عليه [ وكلما دخل الجنة سمع صوت نعلي بلال بن رباح رضي الله عنه وأرضاه وقال صلى الله عليه وسلم لبلال: { أخبرنا بأرجى عمل عملته في الإسلام فإنني ما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشفت نعليك بين يدي } فقال : يا نبي الله أما وقد سألت فإني كنت لا أنقض وضوء فأسبغ فيه وضوء إلا صليت الليل جل وعلا في أي ساعة من ليل أو نهار ما كتب الله لي أن أصلي رضي الله عن بلال وألحقنا به في الصالحين .. كما أن الوضوء نفسه من غير صلاة قال صلى الله عليه وسلم : { من أسبغ الوضوء ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد عبده ورسوله اللهم أجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء } كما أن من أعظم أسباب دخول الجنة وعلو المنازل فيها كفالة اليتيم قال صلى الله عليه وسلم : { من كفل يتيم كنت أنا وهو في الجنة كهاتين وجمع وفرق صلى الله عليه وسلم بين أصبعيه السبابة والوسطى .. كل هذا عباد الله بعض مما دل الشرع عليه من أسباب دخول الجنة .. ومما ينبغي أن يعلمه كل عبد أن المؤمن إذا كتب الله جل وعلا له الجنة نسي كل بؤس كان عليه في الدنيا ظمأ الهواجر ... قيام الليل ... إنفاق المال ... عونك لأخيك ... كثرك لتسبيح ... صبرك على البلاء ... كل ذلك ينسى إذا أدخل الجنة .. أدخلنا الله جل وعلا وإياكم الجنة ... أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (( ثم أورتنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم نفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخير بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤ ولباسهم فيها حرير وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب )) جعلنا الله وإياكم ممن يقول هذا يوم القيامة عند دخول الجنة بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فتستغفروه إنه هو الغفور الرحيم ...
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى أما بعد ... عباد الله "
فإن القرآن لما حث أتباعه على المسارعة في الخيرات والمسابقة في الطاعات طمع في دخول جنات الرحمن ... ما أراد الله بذلك وما أراد رسوله صلى الله عليه وسلم أن يسابق الإنسان إلى الموت وأن يسرع إلى التخلص من حياته فإن الأجل أمر لا يكلف العبد به هذا أمر قدري خارج عن التكليف والله يقول (( فإذا جاء أجلهم لا يستئخرون ساعة ولا يستقدمون )) ولم يرد في الشرع إلى أن يتمنى الموت إلا في حالات يذكر فيها دعاءاً مخصوص أما الأصل في المؤمن أنه يسارع في الخيرات ويسابق في الطاعات ويعمل العمل الصالح هذا الذي كلفنا الله به أخرج الأمام أحمد في المسند من حديث أبي أمامه رضي الله عنه وأرضاه قال :{ وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرققنا [ أي أثر فينا حديثه ] فبكى سعد رضي الله عنه وأرضاه فأكثر من البكاء ثم قال سعد [ أي سعد با أبي وقاص ] قال : ياليتني مت... فقال صلى الله عليه وسلم : يا سعد لا تقل هذا فإنك أن كنت قد خلقت للجنة فمهما طال من عمرك وحسن من عملك فهو خير لك } .. وهذا توصية نبوي كريم منه صلوات الله وسلامه عليه المؤمن مطالب أن يسارع في الخير ويعمل الصالح وليس مطالب بأن ينهي نفسه ويقتلها يظن أن وراء ذلك الجنة .. قال صلى الله عليه وسلم : { بادروا بالأعمال سبعاً فهل تنتظرون إلا فقراً منسياً أو غناً مطفياً أو مرضاً مفسداً أو هدماً مفنداً أو موتاً مجهزاً أو الدجال فشرها ابن نتظرأو الساعة فالساعة أهدى وأمر } فقوله صلى الله عليه وسلم بادروا بالأعمال أي سارعوا في الأعمال الصالحة قبل أن يمنعكم عنها مانع ثم ذكر عليه الصلاة والسلام جملة من الموانع فالفقر ينسي لأن الإنسان إذا كان فقيراً أنشغل بقوته ورزقه ودفع دينه .. ومنعه ذلك بأن يعبد الله على الوجه الأكمل والنحو الأتم بالغالب وإذا كان غنياً طفي عليه غناه فنشغل بوقاراته وتجارته وأسهمه وأرباحه وشغله ذلك عن طاعة الرب تبارك وتعالى على الوجه الأكمل والنحو الأتم وإن كان مريضاً عجز عن الحج والعمرة والصيام وأمثال ذلك من الطاعات لمرضه وإن كان هرماً دخل .. في الخزف فلا يدري الليل من النهار .. فكيف سيصلي ويصوم ... إن كان الموت فهو مجهز قاضي عليه وبه تطوى صحائف الأعمال إلا ماستثناه الشارع منه والدجال لا فتنة أعظم منه والساعة نهاية الأمر وقيام الحساب وكل ذلك لا يحمل فيه فهذا جزء من التوصية النبوي الكريم بالمسارعة للخيرات وقد نقل الأخيار عن معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه أنه لما حضرته الوفاة بكى فقيل ما يبكيك يا صاحب رسول الله قال : أبكي على ظمأ الهواجر [ أي لا أستطيع أن أصوم بعد اليوم ] أبكي على قيام الليل الشتاء لأنني بعد موتي لا أستطيع أن أقوم بعد اليوم أبكى على مزاحمة العلماء بالركب لأن
حضور مجالس العلماء وحضور مجالس تدارس القرآن كل ذلك مما تغشى به السكينة وتنزل الملائكة ويعظم به الأجر فلم يتأسف معاذ رضي الله عنه على دينار ولا على درهم ولا على زوجة ولا على ولد ولكن تأسف على ما سيفوته من عمل صالح رغم أنه رضي الله عنه وأرضاه من أعظم الصحابة قدراً وأجلهم مكانة وأكثرهم علماً رضي الله عنه وعن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أجمعين ...
ألا وأعلموا عباد الله أنكم في يوم الجمعة سيد الأيام فصلوا فيه وسلموا على سيد الأنام (( إن الله وملائكته يصلون على النبي يأيها الذين أمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً )) اللهم صلي على محمد ماذكر الذاكرون الأبرار وصلى على محمد ما تعاقب الليل والنهار وأرض اللهم عن أصحاب محمد من المهاجرين والأنصار .. اللهم ورحمنا معهم بمنك وكرمك وعفوك يا عزيز يا غفار اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل ونعوذ بك ربنا من النار وما قرب إليها من قول
وعمل اللهم كما جمعتنا على هذا الفرش
أجمعنا برحتك في ظلال العرش
ياذا الجلال والإكرام ... اللهم وفق إمامنا بتوفيقك وأيده بتأييدك اللهم وفقه لهداك وجعل عمله في رضاك ... اللهم ودرأ عن أمة الإسلام غوائل الفتن وطوارق المحن وقها اللهم شر الكفار وكيد الفجار .. ياذا الجلال والإكرام
اللهم احفظ المؤمنين في فلسطين والعراق وفي سائر البلدان يارب العالمين .. اللهم انصر دينك و كتابك و أولياءك وعبادك الصالحين وأبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك و يهدى فيه أهل معصيتك ... ويأمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر ... ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار... عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان و إيتاء ذي القربى وينهي عن الفحشاء و المنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون فذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون ...